السيد جعفر مرتضى العاملي

296

صفوة الصحيح من سيرة النبي الأعظم ( ص )

فما معنى نفيه هزيمة خالد أوّلًا ، ثمّ إثباته لها أخيراً ، حتّى لقد جعل خالداً أوّل منهزمٍ باللّواء فيهم ، ثمّ تبعه النّاس ؟ ونستطيع بعد كلّ هذا الّذي ذكرناه أن نؤكّد على أنّ كلّ الدّلائل تشير إلى أنّ الفارّين كانوا عارفين بعظيم جرمهم ، كما أنّ أهل المدينة كانوا عارفين بذلك وكذلك رسول الله ( ص ) ، ولكنّهم لم يرتكبوا بفرارهم ذنباً بنظر الشّرع ، لأنّ الفرار من جيش يفوق عدده عدد جيش المسلمين بعشرات الأضعاف ليس حراما شرعاً ؛ فإنّ الفقهاء قد ذكروا : أنّه يجوز الهرب في الجهاد في أحوال ثلاثة : الأولى : أن يزيد عدد الكفّار على ضِعف عدد المسلمين . « 1 » الثّانية : أن يترك القتال ، ولكن لا بنيّة الهرب ، بل لأجل أن ينصرف ليكمن في موضع ، ثم يهجم . الثّالثة : أن يتحيّز إلى فئة وهو أن ينصرف على قصد أن يذهب إلى طائفةٍ ليستنجد بها في القتال . « 2 » وعلى هذا يحمل قوله ( ص ) للّذين اعترفوا أمامَه بالفرار من الزّحف : « بل أنتم

--> ( 1 ) 1 . والدّليل على الجواز : ألف . قوله تعالى : « الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ » ( الأنفال : 66 . ) ب . ما رواه العامّة عن ابن عباس قال : من فرّ من اثنين فقد فرّ ومن فرّ من ثلاثة فما فرّ ( سنن البيهقي ، ج 9 ، ص 76 ، والحاوي الكبير ، ج 14 ، ص 182 ) . ج . ما روي من طريق الخاصّة : عن الصّادق ( ع ) : من فرّ من رجلين في القتال من الزّحف فقد فرّ ومن فرّ من ثلاثةٍ في القتال من الزّحف فلم يفرّ ( الكافي ، ج 5 ، ص 34 ، والتهذيب ، ج 6 ، ص 174 ) ( 2 ) 2 . راجع : تذكرة الفقهاء ، ج 1 ، ص 411 ( ط ق ) وج 9 ، ص 61 ( ط . ج ) وجواهر الكلام ، ج 21 ، ص 58 ، والمهذّب ، ج 1 ، ص 304 ، وجامع المقاصد ، ج 3 ، ص 382 .